يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )
209
كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )
والفيء في اللغة الرجوع ، على ما يأتي تفسيره إن شاء اللّه تعالى . فمعنى فاء الظل أي : رجع من جانب المغرب إلى جانب المشرق ، لأن الظل أول النهار ، يكون ممتد إلى جهة المغرب ، ثم لا تزال الشمس ترتفع وينقص الظل حتى لا يرى للقائم ظل البتة . وهذا في البلاد التي تكون الشمس فيها وسط النهار على قمة الرأس تقف فلا ترى لنفسك ظلا ، وليس ذلك في كل بلد ولا في كل العام . فإذا زالت الشمس أخذ الظل في الميل إلى جهة المشرق ، ثم لا يزال يمتد حتى إلى الليل كما فعل في أول النهار . و ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [ الأنعام : 96 ] . وقول عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : ذراعا ، يريد أن كل إنسان طوله أربعة أذرع من ذراع نفسه ، الصغير والكبير في ذلك سواء . يقول : إن لم يكن لك ميزان تزن به الشمس فزنه بقامتك إن كنت مسافرا أو في مكان لا تسمع فيه الأذان فقسه بظلك ، لا يزال الظل ينقص من جهة المغرب حتى يستوي ثم يأخذ في الزيادة إلى جهة المشرق ، فمن حيث ابتدأ الظل بالزيادة فاحسبه ، فإذا زاد مقدار ذراع وهو ربع القامة فهو الوقت المستحب لصلاة الجماعة ، وأما المنفرد فجائز له الصلاة أول الزوال في أول الوقت وهو أفضل ، وإن لم تقسه بنفسك فقسه بعود ، أقمه في موضع مستو وانظر زيادة الظل ونقصانه ، فإن كنت في بلد لاظل فيه للقائم أصلا فأخر الصلاة في الجماعة إلى زيادة الظل ربع ذلك القائم من أصله ، وإن كنت في بلد تزول فيه الشمس ، وللقائم ظل فمن ربع القائم بعد الظل الذي زالت عليه الشمس تصب الوقت بلا خلاف إن شاء اللّه تعالى . والصلاة لا تحل قبل الوقت فلتؤخرها حتى تستيقن أن الوقت قد تمكن فهو أحوط . وتستدل على ذلك أيضا بأن يكون ظلك مثلك . وقيل ذلك أحسن ، وهو آخر وقت الظهر وأول وقت العصر ، ثم تصلي العصر بعد ذلك بقليل إلى أن يكون ظلك مثليك ، وقيل ذلك أحسن . وتحتاج أيضا إلى معرفة القبلة فتستدل عليها بالليل بقلب العقرب أول طلوعه ، وبالنهار بطلوع الشمس وغروبها . وتحتاج أيضا في ذلك إلى علم آخر لأنها تطلع في زمن الشتاء وقصر النهار من قريب من القبلة ، وتطلع في الصيف من المشرق لأنها ذات مشارق ومغارب على عدد الأيام ، وذات مشرقين ومغربين : مشرق في الشتاء ومشرق في الصيف . وقد قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه : ما بين المشرق والمغرب قبلة إذا توجه قبل البيت . يريد واللّه أعلم : آخر المشارق وآخر المغارب لقرب ذلك من القبلة ، ولا بد من التوجه إلى القبلة ، وأضيق ما هي عند البيت لأنك إذا انحرفت عنها قليلا خرجت عنها ، وهي تتسع على البعد ، لكن لا بد أن تنويها بقلبك وتتحراها بمعرفتك وإن كنت لم ترها . والكعبة شرفها اللّه تعالى قبلة المسلمين